لا تزال المياه تجري في العيون وبين المزارع، تروي النخيل الشامخ والأشجار المختلفة، فتجود الأرض بثمارها الغنية بعد أن ترتوي وتُسمّد، فتعطي الفلاحين جزاءً بما عملوا معها من خير وجادوا به عليها طوال الموسم.
كان الحاج عزيز واحداً من الفلاحين المحافظين على جمال أراضيهم الزراعية، فلا يزال منذ الفجر حتى مغيب الشمس يجول بين النخيل والأشجار، ويستمتع بماء العيون العذبة ليروي ظمأه أو يغتسل بعد عمله الجاد في الحقول، ليعود في المساء حاملاً خيرات الأرض في "المِخرَف" لعائلته. يستقبلونها بشوق، فالمحاصيل الزراعية بالرغم من تكرارها كل سنة إلا أن ذلك هو ما يجعل الأمر ذا متعة ولذة؛ فلم تكن تتوفر طوال العام، وكل موسم يحمل طقوساً خاصة به، يملىء حياتهم مرح ووقت للأعمال الجماعية فالصغير و الكبير يشارك في الحصاد و تحويل المنتجات إلى شيء لذيذ يتناولونه.
يحمل في بعض الأحيان أحفاده معه ليلعبوا مستظلين بظلال النخيل، وملاحقين الحيوانات الأليفة في المزرعة. إلا أنه في أحد الأيام، تبعته إحدى حفيداته الصغيرة بين الأشجار المتشابكة بينما كان منشغلاً في موسم "الصرام" وجني التمور. غفلت الطفلة لبرهة وهي تتأمل الفراشات، وإذا بها تفقد أثره وتتيه.
وفجأة، أسدل الليل ستاره الأسود على المكان، واستحالت ظلال النخيل الوديعة إلى أشباح عملاقة تتراقص في العتمة. بدأت أصوات الرياح بين السعف تبدو كهمسات غامضة، وأخذ الخوف يتلاعب بدقات قلبها الصغيرة التي أخذت تخفق بعنف. تسمّرت الطفلة في مكانها، وعيناها تلتهمان الظلام بحثاً عن منارة أو مخرج، قبل أن تنفجر باكية مستنجدة بصوت مخنوق: "جدي.. جدي!".
وبينما كانت تبكي وحيدة في تلك العتمة الحاضنة، انقشع الظلام قليلاً عن مشهد يأسر الأنفاس؛ انبعثت رائحة زكية مألوفة، مزيج ساحر من اللبان العتيق وعطر التمور الناضجة. التفتت الطفلة لتجد أمامها امرأة غريبة، لم يكن ثوبها قماشاً عادياً، بل كان مغزولاً بدقة من سعف النخيل الأخضر النضير الذي يلمع تحت ضوء النجوم وكأنه حجر كريم. تمددت يد المرأة الحانية، ومسحت دموع الطفلة برقة، ثم احتضنتها ليتسلل الدفء فوراً إلى جسدها المرتجف.
همست المرأة بصوت رخيم يشبه خرير الماء، يهدئ من روعها: «لا شيء في المزارع يدعو للخوف يا صغيرتي.. فهذه الأرض كريمة جداً فلا تخافي». ثم أنارت عتمة المكان بشمعة مضاءة أعطتها للطفلة، وطلبت منها أن تتبع خطواتها. سارت الطفلة خلفها آمنة، حتى وصلت إلى حدود مزرعة جدها، وما إن أبصرت أنواره حتى هرعت راكضة إلى أحضان الجد وهي تبكي من الفرح والارتياح.
التفت الجد ليبحث عن تلك اليد الدافئة التي أعادت له حفيدته، فلم يجد للمرأة أثراً، بل وجدت الطفلة وراءها سلة من السعف مليئة بألذ أنواع التمر وأطيبها زكاوة.
بعدما هدأ روع الطفلة، وراحت تحكي لجدها بكلماتها الطفولية المتلعثمة تفاصيل ما حدث معها، وتصف له تلك المرأة العجيبة، تتبع الجد خطواتها وتأمل السلة المليئة بالتمر، فابتسم بدهشة دافئة تلمع في عينيه وقال: «حتماً إنها خالتي السعفة!». التفت حوله الأطفال الشغوفون، وراح يخبرهم بحكاياتها الأسطورية، وكيف أنها روح هذه الأرض، المعروفة بمد يد العون للفلاحين ورعايتهم ورعاية أطفالهم منذ أزمان بعيدة.





