عُرف عن الشعر أنه ديوان العرب فما من حدث جلل يمر مرور الكرام إلا وخلده الشعراء في أبياتهم، ليبقى الشاهد على ذاكرة الأمة. وقد كان هذا شأنهم قديمًا وحديثًا؛ إذ زخرت الجزيرة العربية بأحداث كُبرى سُطرت في صفحات التاريخ، وكان من أعظمها توحيد المملكة العربية السعودية تحت راية التوحيد، في تلك الحقبة تفجّرت قرائحهم موثقةً مآثر رجل غيّر مجرى التاريخ، مُعيدًا للجزيرة العربية مجدها ووحدتها، ذلك هو الملك عبد العزيز -طيّب الله ثراه- الذي أصبح محور فخرهم واعتزازهم -وحُقّ له ذلك- لا سيما في صفحات صحيفة أم القُرى التي أرّخت نهضة وطن وقائدٍ بأبياتٍ خالدة:
ملكٌ تجملّت الدنيا بطلعتهِ
وأسفرَ الكونُ عنهً أيَّ إسفار
-
الشيخ محمد بن عثيمين.
فلم تكن القصائد المنشورة في صحيفة أم القُرى -أو في غيرها- في الملك عبد العزيز -طّيب الله ثراه- مجرّد مدح باذخ؛ بل شكّلت خطابًا محوريًا يصوغ سيرة الدولة في وعي مجتمعها: وِحدةٌ بعد فُرقه، وأمنٌ بعد خوف، وعدلُ مؤسِس يحكم بشريعة الله. يقول عبد الله إدريس: "إنّ الذي قد أصبح من الحقائق التاريخية… أنّ العرب لم يحظوا على مدى قرونٍ بزعيم اجتمعت فيه صفات ومميزات الزعامة العربية والإسلامية معًا، كما اجتمعت في الملك عبد العزيز -طيّب الله ثراه- الذي أرى أنه سبق زمانه نُضجًا ووعيًا وحِنكةً سياسية بمستوى لم يبلغ شأوه فيه أي زعيم عربي أو مسلمٍ سواه…".
فقد سطّر شعراء عِظام سيرة المؤسس في قصائدهم، حتى أنّه -طيّب الله ثراه- منح لقب (شاعر جلالة الملك والأسرة الحاكمة) إلى رئيس تحرير صحيفة أم القُرى الأسبق والشاعر المخضرم أحمد إبراهيم الغزاوي -رحمه الله- في عام 1352هـ، بعد أن نظم الأشعار الرصينة والقوية ونشرها في الصحيفة على مدى عقودٍ من الزمن، لافتًا الأنظار إلى بلاغته ومسطّرًا بكلماته مسيرة التوحيد وانطلاقة المملكة.
ومن شِعره في المؤسس:
صَحائفُ المجدِ ماذا أنتِ مُعلنةٌ
عطفَ الأبوة أم لُطف المقاديرِ
أم عفوَ ذي قُدرةٍ دانَت لطاعتهِ
معاطسُ الغُلبِ في حَزمٍ وتَدبيرَ
إلى أن قال:
ولو رَوى كلُّ ما (عبد العزيز) بنى
لظلَّ يُكتب حتى نَفخةِ الصُورِ
ولم يقف الشعر عند الغزاوي، بل قال أديب نجد وشاعرها الشيخ محمد بن عثيمين أبياتًا عظيمةً في أولى قصائد مدحه للمؤسس -رحمهم الله جميعًا-، بعدما ذكر عددًا ممن يحسنُ مدحهم والثناء عليهم:
لكن أوراهمو زندًا وأسمحهم
كَفا وأشجعهم إن جال أقران
(عبد العزيز) الذي نالت به شرفًا
بنو نِــــزارٍ وعزّت منه قحطــــان
مُقدمٌ في المعالي ذِكره أبدًا
كما يُقدم باســـم الله عنوان
وللملك عبد العزيز -طيّب الله ثراه- في الشعر العربي فصيحه ونَبَطِه صفحاتٌ لن نأتي آخرها أبدًا، فلم يقف أولهم ولا آخرهم عن ذكر صفاته ومحاسنه وقوة عزيمته وحُسن إدارته. ففي دولة أسسها قائد ذو رؤية وأتبع من بعده ملوكٌ رسخوا جذورها لن تجف أقلامهم في صُحفٍ خلدت أمجاده الأولى ومجد مستقبله.




