ليس من السهولة بمكان أن تبتكر شخصية روائية أو سينمائية دون وجود ماضٍ لها، أو حتى أن تُستلهم -ولو قليلًا– من شخصياتٍ واقعية. كما ليس باستطاعتنا أن نرى تعقيداتِ الشخصيات دون فهمٍ عميقٍ لتاريخِ كلٍّ واحدةٍ منها. ومن هنا نُبحر سويّةً في عالم هاري بوتر، وفي شخصيتين مؤثرتين ومعقّدتين من منزل سليذرين؛ سيفروس سنيب ودراكو مالفوي: أحد أكثر الشخصيات أهميةً في عالم هاري بوتر.
ومن وجهة نظري، أعطتا السلسلة طابعًا واقعيًا أو مميزًا في الولوج إلى دواخل المرء واختياراته، وإلى منتهاها؛ ففي القصص والحكايا، يُرافق ظهور البطل وجود شخصياتٍ تُبرزه كونها النقيضَ عمّا يمثّله، حتى نرى لماذا يُحقّ للبطل ما لا يُحقّ لغيره.
البروفيسور سنيب، الشخصية المُظلِمة والتي ما إن تقابل هاري حتى نشعر بمقته وكرهه الشديدين له، ولسنا نُلام على ذلك، فكلّ ما عمله البروفيسور كان كرهًا لهاري من منظوره الشخصي الذي ألقى بظلاله على فَهمِنا له. والذي يتّضح لنا فيما بعد أن ما كان كرهًا ظاهريًا كان نوعًا من الحماية، لم نفهم مغزاه للتعقيد المرتبط بشخصيته.
تذكر الكاتبة والروائية ج. ك. رولينغ أنها ابتكرت شخصية سنيب لتطابق شخصية معلّم الكيمياء الذي درّسها في صغرها، والتي وصفت شخصيته بالفظاعة، والتي تقبّلت بفهمٍ الأستاذ لها حتى أنه كتب كتابًا حوله. وبالنظر إلى تشدّد سنيب، فنحن نرى الطابع العام لغالب الأساتذة الذين مرّوا علينا في حياتنا. ولكن في السلسلة، كان تشدّد سنيب موضع استنكار منّا كقرّاء ومشاهدين، ومن شخصيات السلسلة أيضًا.
أظهرت لنا الرواية أجزاءً من ماضي سنيب وحقائق لم تُعرّف أو تُسوّغ في البداية، والتي أسبغت على شخصيته ظلالًا رمادية؛ فهو يُمثل الطبيعة البشرية في تجليها المتمازج بين أصلها -كان خيرًا أم شرًا- وأتفهم حقيقة مآل سنيب في كل أمر قام به. ففي أعماقه تخبطٌ ما بين الرأي الجمعي لمنزل سليذرين؛ من مقت مختلطي الدم والنقاء العرقي، واستعلائهم على بقية السحرة في نسبهم وولائهم لذاك الذي لا يجب ذكر اسمه، وبين الرأي الصائب والمُعتدل الذي جاء به دامبلدور وجماعة العنقاء، وبعيدًا عن مشاعره تجاه ليلى بوتر ومقته لجورج بوتر -والذي أتفهمه تمامًا-.
بينما أخذ سنيب دور المعلم الصارم والفظيع ذا الظلال الرمادية، جسَّد دراكو مالفوي صورةً حيةً لصراع الهوية والانتماء في النشأة. منذ البداية رأينا في دراكو الفتى المتغطرس، المولود من عائلةٍ تؤمن بالنقاء العرقي وبولاءٍ أعمى لذاك الذي لا يجب ذكر اسمه، فما كان سوى مرآة لصورة المجتمع الذي نشأ فيه. لكن ما ميَّز دراكو هي تلك اليقظات الخفيَّة التي ظهرت عليه مع تقدم الأحداث، من تحوله من مجرد متنمّر كلاسيكي وخصم هزلي إلى شاب مرعوب من الخيارات المفروضة عليه، ممزق بين رضا والديه وبين ما يعلمه من عواقب الانضمام للشر المطلق. في النهاية وجدنا دراكو متحررًا من تلك القيود كمن بدأ يتلون بلون أنقى من سواد طفولته ورمادية شبابه، لونه الخاص دون تأثير والد أو نسب أو انتماء.. فقط لونه الخاص.
تبقى شخصيات مثل، سيفروس سنيب ودراكو مالفوي راسخةً في ذاكرة كل مَن قرأ أو شاهد سلسلة هاري بوتر، لا لأنهما تجسدان الشر، بل الحقيقة والواقع المتمركز في دواخلنا جميعًا.




