اختلفت الآراء حول ثلاثية المؤلف الحائز على جائزة نوبل للأدب؛ فمنهم من يشير إلى ذكائه في تبطين الأحداث برمزيات تعكس أحداث مصر قيادة وشعبا، ومنهم من يراها كحتوتة تقرأ للتسلية ولا وجود لأي رمزية، ولا ألومهم في هذا، فذلك يدل على دهاء وتمرس الأديب نجيب محفوظ في نسج حكاية ذات صيت بين جميع طبقات المجتمع باختلاف أذواقهم الأدبية.
تحكي الثلاثية قصة عائلة سي أحمد عبد الجواد؛ سيد عائلة مخضرم في النهار، متسيب في الليل، وزوجته أمينة المطيعة لسيدها – كما تدعوه – مكرسة وقتها وجهدها لأبنائها وبناتها، عطوفٌ عليهم.
تعكس الرواية حكاية أجيال بدأت من الأب إلى أبنائه وبناته، ثم إلى أطفالهم، كشريط سينمائي يمر على تطور شخصياتهم وأفكارهم. في الكتاب الأول من الثلاثية، كانت تدور الأحداث في فترة احتلال الإنجليز لمصر قبل ثورة ١٩١٩، وتمركزهم في حي بين القصرين التي كانت تسكنها عائلة السي أحمد عبد الجواد، وتورط أبناؤه فهمي وياسين وكمال في مشاهد مضطربة بين الإعجاب بذوي الشعر الأشقر والعيون الزرقاء، والشوكولاتة المحببة لدى الابن الأصغر كمال.
يستمر تطور الشخصيات واختفاء بعضهم، والتركيز على آخرين على حسب الجيل والأحداث؛ إذ في الكتاب الثاني والثالث يكون تركيز القصة على الجيل الجديد، أحفاد الجد أحمد عبد الجواد، وتأثير السياسة على المجتمع، بالذات على حياة طلاب الجامعة، الذي كان شغلهم الشاغل أي حزب ينتمون إليه، حتى أنه غير مستغرب أبدا أن يكون هناك أخوين من عائلة واحدة كل منهم يؤمن بحزب مخالف للآخر، ومع ذلك لا يعادون بعضهم أبدا.
متعة الرواية تكمن في في السرد الذي يمر عليك بالفصحى، ويترجم في عقلك بلهجة مصرية، والوصف البصري الذي يجعلك تتصور شكل كل شخصية: بكرشها، وشنبها، وفستانها، وتجعدات جسدها، والطربوش الذي لم يفارق أحد من الرجال تلك الفترة. مجتمع متمسك بالدين باسم التقاليد، وينادي بالحرية ولا يجرؤ على المحاربة من أجلها. سيشعر القارئ أنه طرف متفرج داخل الأحداث؛ ستعصف به جميع المشاعر، وسيرتبط بالشخصيات.
هناك من اتفق على أن تصوير لقطات العشق المذموم بتفاصيل دقيقة كانت مقززة، في حين أن آخرون يرون أنها جزء من الشخصية، وأن المشهد لم يعبر إلا عن مكنونها. كما أن كثرة المونولوجات في قصر الشوق قد جعل جزء من القراء يملون، فهواجيس كمال لم تترك أحدا منا يتنفس من هول ووفرة الأفكار التي كان يسرها في نفسه، ولم يعلم أحد بها غير القارئ. إن لم تكن لديك المعرفة عن الثقافة المصرية والأحداث السياسية؛ فالثلاثية ستحرك فيك الفضول للبحث في تفاصيل الحسين، والأزمات السياسية المستمرة، وتقاليد زواج البنات في بيت عائلة زوجها. وربما ترى نفسك ومعارفك في الشخصيات، بسبب دقة نجيب محفوظ في دراسة أبعادها النفسية والشخصية.
إن كنت بدأت في قراءة الثلاثية فاعلم أنك لن تستطيع التوقف لقوة ما تشدك أحداثها، وإن لم تبدأ بعد، فماذا تنتظر؟





