الوجه الآخر من الأشياء البريئة

الاعتماد المفرط على المحفزات الفورية كالموسيقى ووسائل التواصل يعطل توازن نظام المكافأة في الدماغ، حيث يُطلق الدوبامين بسرعة فائقة، فينخفض مع الوقت تحسس الدماغ لهذا الناقل العصبي، ويرتفع معيار التحفيز المطلوب، مما يضعف قدرة العقل على الاستمتاع بالمكافآت الطبيعية والتركيز.

كتبها:
ندى المسعودي
ندى المسعودي
الوجه الآخر من الأشياء البريئة

من علامات تعفن الدماغ الأولى والحقيقية هي ارتباط الشخص بالموسيقى وربطها بأغلب أنشطته الحياتية اليومية..

  • الغور الأول للموسيقى: علاقة الموسيقى بالدوبامين

إنّ الاعتماد الدائم على الموسيقى كمحفز يعد شكلًا من أشكال الاستهلاك المفرط للمحفزات الفورية، وهي من أكثر ما يؤثر على توازن نظام المكافأة في دماغك. فالموسيقى تطلق اندفاعات سريعة من الدوبامين -وهو ناقل عصبي مسؤول عن الشعور بالسعادة والمكافأة-‏ مما يؤدي مع الوقت لنقص التحسس لهذا الناقل حتى يتراجع مستوى الاكتفاء، ويرتفع معيار التحفيز، ويصبح الدماغ أقل استجابة للمكافآت الطبيعية، فلا تعود الأشياء البسيطة كالتركيز والانتباه و القراءة أمورًا تلقائية التنفيذ. ليتسلل الملل حتى تتآكل الإرادة؛ فالتركيز هو المحرك الرئيسي للإرادة، وهو الضامن للاستمرارية والالتزام، والأمر كله أن الدماغ اعتاد اللهو وصار يأنف من الالتزام.

  • الأغوار الأخرى للموسيقى: بين DMN وCEN

إنّ طبيعة الدماغ تعمل من خلال عدة شبكات عصبية مترابطة تنظم معًا الوظائف المعرفية والسلوكية والعاطفية ، أبرزها وأهمها:

• شبكة DMN التي تنشط في حالات الشرود الذهني والانفصال عن الخارج.

• وشبكة CEN التي تنشط أثناء التركيز والانتباه والالتزام.

لذا فالاستهلاك المفرط للمحفزات الفورية كوسائل التواصل الاجتماعي، وألعاب الفيديو، يضعف هذا التوازن بشدة من خلال:

  • فرط نشاط DMN: العقل يصبح سجين التفكير العشوائي، والاجترار الذهني، والمكافآت الفورية ، ويصاب بصعوبة في الخروج من دائرة الذات.

  • خمول CEN: بسبب الاعتياد على المحفزات الخارجية، تضعف قدرة الدماغ على تنفيذ المهام العميقة، ويصاب بصعوبة في ضبط النفس، واتخاذ قرارات واعية، والحفاظ على الانتباه.

وعليه، فالإشكالية لا يكمن في الموسيقى باعتبارها ظاهرة سمعية مجردة، وإنما في نمط التعلق المزمن بالمحفزات السريعة، حين تعقب من وسيلة عابرة إلى وسيط دائم لا يستطيع الفرد مباشرة أنشطته الذهنية أو الحياتية إلا عبره. فالعقل حين يطبع على الاستثارة الخارجية يفقد تدريجيًا كفاءته في توليد الدافعية الذاتية، ويصبح أكثر هشاشة أمام الملل، وأقل احتمالًا للمهام التي تتطلب انغماسًا طويل الأمد.

اقرأ أيضاً