حكاية برايل: نورٌ في ظلام المكفوفين..

اليوم العالمي للغة برايل.

كتبها:
مجد العوفي
مجد العوفي
شريك مؤسس لجُلّ الثقافية
حكاية برايل: نورٌ في ظلام المكفوفين..

تخيل معي أنك تعيش في ظلام دائم؛ حيث لا ترى النور ولا تعانق الكلمات في عينيك، لكنك ولرحمة الله -عز وجل- بك تمتلك أداة تجعلك تُبصر الحروف والشعور بها بأناملك. هذا ليس مجرد خيال، بل قصة اختراع غيّر مجرى حياة الملايين من المكفوفين حول العالم.

لويس برايل، وُلد في 4 يناير عام 1809م التاريخ الذي يحتفي بلغة برايل كإرث عالمي وإنساني. كانت طفولة برايل ملئ بالتحديات؛ إذ فقد إحدى عينيه في سن الثالثة إثر إصابة عرضية في ورشة والده، ثم فقد بصره بالكامل في سن الخامسة نتيجة عدوى انتقلت إلى عينه الأخرى. لم يستسلم برايل للظلام الذي أحاط عالمه، بل التحق بمدرسة للمكفوفين وبذل جُلّ جهده بالتعلم من خلال الاستماع، وبالصدفة تعرف على نظام (الكتابة الليلية) في إحدى الزيارات المدرسية والذي اخترعه الضابط الفرنسي شارل بارييه ليتيح للجنود قراءة الرسائل سرًّا في الظلام. هذا النظام هو فكرة ثورية في نظر برايل، لكنه أردك أنه معقد لدرجة تجعل استخدامه صعبًا للغاية؛ فبدأ وهو في الثانية عشرة من عمر على تطوير النظام، وبعد ثلاث سنوات من العمل الجاد قدَّم اختراعه العبقري (لغة برايل) التي تعتمد على مصفوفة مكونة من 6 نقاط بارزة تمثل الأرقام، والحروف، والموسيقى.

ولكن التاريخ حفظ للمكفوفين محاولاتٍ وطرق ساعدتهم قبل برايل ولغته، ففي القرن السابع الهجري – الثالث عشر الميلادي- عاش عالم كفيف في بغداد يُدعى بزين الدين علي الآمدي. كان يعمل في بيع ونسخ الكتب، ورغم فقدانه بصره إلا أنه استطاع تمييز محتويات الكتب بدقة عجيبة، فقد ابتكر نظامًا يعتمد على وضع حروف بارزة على أطراف الكتب ليتمكن من التعرف عليها باللمس. هذا الاختراع سبق برايل ولغته بخمسة قرون يُعد أولى المحاولات لتطوير وسائل الكتابة للمكفوفين الأمر الذي يُرز دور الحضارة العربية والإسلامية في التمهيد لهذا الإنجاز العظيم.

لنعد إلى برايل ولغته، فكما هو معتاد لا تكون ردة الفعل الأولى لما هو جديد مقبولة على الدوام، بل يتخلل بداياتها بعض المقاومة والرفض، فلم تُستقبل لغة برايل بالترحاب؛ إذ رفضته المدارس والمؤسسات التعليمية في البداية، حتى انتشر الوعي بأهميته كنظام أضحى لغة خاصة للمكفوفين حول العالم. فهي تُستخدم اليوم بأكثر من 133 لغة، بل تطورت لتشمل الأجهزة الإلكترونية كقارئات برايل الرقمية.

ختامًا، برايل ليست أداةً للكتابة فقط؛ بل نافذة تُطل منها الأرواح على العالم، وسراجٌ ينير دروب العلم والمعرفة، ولنتذكر برايل ومن قبله الآمدي اللذين قدما لنا درسًا أنّ الإبداع يمكنه أن يُخرج النور من أعمق الظلمات.

اقرأ أيضاً