-
المال من وسيلة إلى غاية تتوسل الإنسان
في زمن يتسم فيه السوق بالمرجعية الكبرى، تتوسع الثقافة الاستهلاكية من سلوك اقتصادي إلى نمط معيشي، تضحي فيها منظومة فكرية شاملة تعيد إنتاج القيم، وتعيد صياغة الوعي، وتعيد تعريف الإنسان ذاته. يمارس الخطاب الاستهلاكي سلطة رمزية ناعمة، تتغلغل في البنى النفسية والاجتماعية، من خلال آليات الإغواء والإقناع وتشكيل الوعي لتعرض السلع بوصفها حوامل للمعنى والهوية والانتماء، بعد أن كانت مجرد أدوات انتفاعية، لنعيد تعريف الاستهلاك بوصفه ممارسة شاملة لكل ما يعرفه الإنسان . استطاعت الثقافة بهذه السلطة أن تقوض البنية القيمية التقليدية التي كانت تقوم على مفاهيم مثل الكفاية، والانضباط، والمعنى الداخلي، لتحل محلها معايير جديدة تؤسس للذات الاستهلاكية، وهي ذات قشورية مرتهنة للعرض، مهووسة بالمثالية، شرهة لا تجيد الزهد ولا الفضيلة.
-
هندسة الرغبة: الاقتصاد الخفي وصناعة المستهلك
تاريخيًا، تعود جذور هذه المنظومة إلى التحولات الكبرى التي أعقبت الثورة الصناعية، لكنها تسارعت وتضخمت بشكل نوعي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث تَمثل رأس المال في أقصى تجلياته الرمزية ، ليكون أخيرًا أداة للهيمنة الثقافية، فمن توسع الصناعة وحجم الإنتاج ، اندفعت الدول المصنعة وأصحاب المصالح للبحث عن سوق جديد تصرف به منتجاتها ، تحت مرونات أخلاقية تستغل جميع الوسائل الممكنة وغير الممكنة لتضفي أرباحًا جديدة. ولكن الجشع دفع أصحابه لتوسيع نطاق العملية الربحية ، لتتواجه مع القيم الراسخة في المجتمعات، الحصن المانع ضد التغيير، والتي ما كان عليها إلا تغيير المجتمعات وإعادة تشكيلها لتتناسب مع السلع، موظفين لذلك الدعاية للتأثير وخلق الحاجة، فكما يعتقد بيرنيز مستشار العلاقات العامة، أن إعادة صياغة الجمهور أسهل وأقل تكلفة من تحسين جودة المنتج أو الأفكار وتغييرها. واليوم، الثقافة الاستهلاكية تعيد تشكيل البنية الذهنية والفلسفية للوجود، تفرغ الأشياء من دلالتها الأصيلة، ثم تعيد ملأها بدلالات تسويقية عابرة، تجعل من الاستهلاك فعلاً وجوديًا يتجاوز الحاجة، ليتماهى مع المعنى والهوية. كل شيء اليوم يتخفف، ويدفع باتجاه تسريع دوران الأموال، حتى العملية الاقتصادية فقدت جوهرها العملي، وأصبح السوق يدعم بل ويرسخ ثقافة الاستهلاك السريع، نقاط توزيع سحابية تلغي الحواجز الجغرافية، منتجات منخفضة التكلفة فالجودة= سريعة الإنتاج= منتجات سريعة الاستهلاك والاستبدال= أموال تتدفق بسرعة في دورة اقتصادية محمومة، حيث يشتد صراع العرض والطلب داخل سوق حر تمارس فيه الحيتان هيمنتها غير الأخلاقية بغطاء قانوني.
هذه المنظومة نتيجة هندسة اقتصادية قديمة تعود لاقتصاديين وجدوا نفسهم في ظروف تفرض عليهم تقديم قيمة المال على الإنسان، للحفاظ على دائرة اقتصادية دائمة تضمن إدرار السوق لخزائن الشركات، وهذا ماقدمه الاقتصادي Bernard London في مذكرته إبان الكساد العظيم في مطلع ثلاثينات القرن العشرين ، والذي اقترح فيها استراتيجة "Planned Obsolascence" أو التقادم المخطط، وهي استراتيجية تتعمد فيها الشركات تصميم المنتجات بعمر افتراضي ،أو بقابلية للتعطل، كجزء مقصود من خطة تستهدف دفع المستهلكين لشراء بدائل جديدة في وقت أسرع. هذا التخفيف الناعم لديناميكية السوق الاقتصادي لتزداد سرعته المحمومة قد يبدو لك انه يكبح المركزية في النظام التقليدي ،ويمنح الجميع حق الولوج والنزال في السوق، إلا أنها أدوات جديدة توسع وترسخ اللامساواة العالمية – بوصفها بنية حقيقية لا خللاً عابراً – بأقل خشونة وأكثر تجذرًا، وهذا يحيلنا لنظريات العولمة والتبعية، وكيف تعيد الدول العظمى إنتاج تبعيتها من خلال السيطرة على الأسواق وإعادة تشكيل الثقافة ؛لتضمن هيمنتها الاقتصادية.
-
تفريغ القيم الى قوارير الاستهلاك:
نجحت هذه الهيمنة الاقتصادية في التسرب الى جذور ثقافتنا، فالاقتصاد هو من يبرع في خرق الثقافات وإعادة تشكيلها ،لنرى اليوم كيف عاد رمضان موسم ترويجي، شهر استهلاكي يعرض التنافس الأطباقي في معية دوال الطلب. وكيف يكشف يوم عرفة من كل عام الميل البشري نحو الرجاء ، والذي لا يخلو من نزعة انتهازية تغفل عن جوهر الافتقار الحقيقي والتجرد لله، ليصبح يوم تحقيق الامنيات، تفرط فيه النفس في طلب شهواتها دون ضبط ذاتها لاستحقاق الطلب في الأصل. وهكذا تُفرغ الأزمنة الفاضلة من فضيلتها، وتحال إلى مواسم الاستهلاك على مرتفعات الطلب. حتى الخطاب الديني لم يسلم من إعادة التشكيل، لنرى اليوم تسويق بعض المواعظ أو المحاضرات -إن وجدت -بأسلوب جذاب قائم على النجومية، والهوية البصرية، والتأثير الجماهيري، ما يجعل الخطاب الديني نفسه عرضة لقيم السوق ، ويضطر أولوا الفضيلة من الوعاظ والدعاة الى ترويج دين خفيف سريع الهضم، بلا أعباء ولا مسؤوليات وجودية، ليواكب ذوق المستهلك الذي دأب على المتعة والملذات، لتنشأ صورة جديدة للدين، تختزل في الراحة النفسية، مناقضة لجوهره الذي يقوم على الجهاد النفسي والزهد والمعنى العميق.
هذه المحاولات الرامية إلى إيجاد روابط تربط الإيمان الروحي بالمادة الاستهلاكية تمثل ثغرة وضعفًا نفسيًا ناتجًا عن تفريغ الإنسان من قيمه الأصيلة، وتحويله إلى وسيلة للمال ،لا يريد إنسان اليوم مواجهة أي قيم تمكّن من التزامه وانضباطه، وكبح ملذاته، فقد اعتاد البطنة، وافترَّ عن أنيابه امتثالا للحاجة المتزايدة التي انتقلت من مجرد البقاء، إلى المتعة ، وهي ذات المنفعة الحدية المتناقصة، فكل متعة تقدّم له إشباعًا أقل من السابقة، مما يدفعه للبحث باستماته عن المزيد من الملذات لتجديد شعوره بالرضا. هذا السعي المستمر يخلق دائرة مفرغة من الاستهلاك والرضا المؤقت، حيث لا يحقق الفرد قمة السعادة، و يبقى في حالة من الشهوة الدائمة التي لا تشبع، فلم ينبثق علم الاقتصاد من تراكم العلم وتوارد العلماء ولكنه المعول المنظم لشراهة الإنسان الحداثي الذي اعتاد الافتراس واضطر إلى تفريغ كيانه من القيم والجوهر .. ليتسع افتراسته.




