في ظلّ الصحراء، ظل فقيهٍ وأمير

الأمير عبد الله بن عبد الرحمن آل سعود جمع بين الفقه والأدب والسياسة والخبرة العسكرية في شخصٍ واحد، فكان سلاح أخيه الملك عبد العزيز في حروب التوحيد قبل أن يضع السلاح ويحمل القلم ليصبح كبير مستشاريه وأمين سره. اشتهر بسعة اطلاعه ورجاحة عقله، وكانت مزرعته ملتقى فكريًا يرتاده العلماء والأدباء والسياسيون، فأسر كل من عرفه بعلمه وتواضعه، حتى وصفه الملك عبد العزيز بأنه فقيه آل سعود وعالمهم.

كتبها:
مجد العوفي
مجد العوفي
شريك مؤسس لجُلّ الثقافية
في ظلّ الصحراء، ظل فقيهٍ وأمير

تخلّلت رحلة التوحيد أسماء فرسان وسياسيين محنكين، ساهموا فيها فجعلوا من المملكة العربية السعودية ما هي عليه الآن، ولكن أن يجتمع في شخصٍ واحدٍ الأدب والفقه والسياسة والخبرة العسكرية!

نعم إنّه الأمير الفقيه والأديب عبد الله بن عبد الرحمن آل سعود، أخو المؤسس -رحمهما الله-.

وُلد الأمير عبد الله في الكويت عام 1311 هـ الموافق 1893 م، في سنوات الغربة التي قضاها والده الإمام عبد الرحمن الفيصل بعيدًا عن الرياض، ونشأ في كنف أبٍ عُرف بالعلم والتقوى والورع. ومنذ صغره، حرص والده أن يغرس في نفسه صفاء السريرة وسلامة العقيدة، فتولى تربيته بنفسه وأشرف على حفظه للقرآن الكريم وقراءة كتب التفسير والحديث والفقه. فنشأ الأمير عبد الله في منبتٍ صالح، أينع به عقله وصَقُل ذهنه وتوسعت آفاقه ومداركه حتى جمع فأوعى.

وما إن اشتد عوده حتى وجد أخاه الأكبر عبد العزيز يسترد ملك أجداده ويَلُم شمل أطراف البلاد وأقاصيها مُعلنًا عن قيامة دولة ناهضة، فكان لأخيه سلاحًا ملازمًا له في حروبه العديد وشاهدًا على معظم فتوحاته -رحمهما الله-. ترأس فيلقًا مقاتلًا في حصار جدة، وقادة أحد الألوية في معركة السبلة، وتولى تطويع الغطغط وتأديب بعض العُصاة.

ولما ترسخت أصول هذا الكيان العظيم ودعائمه الفتيّة، وضع -رحمه الله- السلاح وحمل القلم ليكون كبير مستشاري الملك عبد العزيز وأمين سرّه. فاعتمد عليه لأصالة رأيه ورجاحة عقله وسعة اطلاعه في المسائل الدينية والاجتماعية والتاريخية.

وبعد أن أُنشئ الديوان الملكي سُمي أعضاؤه (بالجماعة) أو (الربع)، يُعقد مرتين في اليوم قبل الظهر وبعد العصر تحت رئاسة الملك عبد العزيز -طيّب الله ثراه- وكان الأمير عبد الله في مقدمة الحاضرين.

ومما اعتاده الملك عبد العزيز -طيّب الله ثراه- أن يعقد جلسةً دينية وأدبية بعد صلاة العشاء يُفيض فيها الأمير عبد الله من علمه وأدبه، معلقًا على مسألةٍ أو شارحًا لها.

في عام 1365 هـ، رافق الأمير عبد الله أخاه الملك عبد العزيز في زيارة رسمية إلى مصر وكان أحد أعضاء البعثة المصرية المصاحبة للملك الأديب عباس محمود العقّاد، الذي كتب وقتها مقالاتٍ عديدة في مجلة (المصوّر) يصف فيها الملك عبد العزيز ومَن رافقه من وفده. فقال العقّاد: "من تواضع جلالته وإنصافه أن يُعطي كلّ ذي حقٍّ حقَه من الخصوم والأصدقاء…"، فكان يستقبل المرحبين به والمسلمين عليه في مجلسه في قصر الزعفران.

وممن زار الملك عبد العزيز وقت زيارته لمصر وفدٌ من علماء الأزهر للسلام عليه، دار فيه حديث وعُرضت مسألة فقهيّة انفرد بها مذهب الإمام أحمد فسألوه عنها، فأجاب -طيّب الله ثراه- في تواضعٍ جم: "إنّ الغزوات والحروب لم تدعْ لي وقتًا للتبحر في العلوم، ولكن الذي تبحّر فيها هو هذا، أخي، هذا فقيه آل سعود وعالمهم، اضربوا معه موعدًا للحديث، إنّه أعلم مني بما تذكرون.".

ثمّ يواصل العقاد حديثه عن الأمير عبد الله قائلًا: "الواقع أنَّ الأمعيّة تبدو على وجه الأمير من النظرة الأولى…".

ذكر أ. عبد الرحمن الرويشد في كلمة تأبين للأمير عبد الله نُشرت في جريدة الجزيرة ومجلة الدعوة: "كانت داره -مزرعة سلام- ملتقًا فكريًا، يرتادها العلماء والأدباء والسياسيون وكبار موظفي الدولة من داخل البلاد وخارجها، وكان الجميع ينعمون بجانبه ويجدون عنده ما تصبوا إليه نفوسهم من فكرٍ ونقاشٍ واعتبار رأي.". وكان في مزرعة سلام دارٌ خاصةٌ بالضيافة، يرتادها كبار الشخصيات من زوار مدينة الرياض، وكان -رحمه الله- يحتفظ لنفسه برأيٍّ مستقل، إلى أنه ومع ذلك يُكرم مَن يتصف بالعلم ولو خالفه الرأي.

أسر الأمير عبد الله كلَّ مَن قابله وخالطه حتى قيل فيه:

  • "هذا فقيه آل سعود وعالمهم."، الملك عبد العزيز -طيّب الله ثراه-.

  • "كثيرًا ما لجأت إلى أديب آل سعود وعالمهم"، الزركلي.

  • "إنّ الألمعيّة تبدو على وجهه منذ اللحظة الأولى"، عبّاس محمود العقّاد.

  • "إنّه واسع الاطلاع، والذكاء والفهم والإدراك"، عبد الله فلبي.

رحم الله فقيه آل سعود وأديبها، الذي جمع ما تفرّق في غيره وأسكنه فسيح جنّاته.

اقرأ أيضاً