سمعت كثيرًا عن "دونات ريري"، فعزمت المرور على "دانكن دونتس" لتجربته. وكلما مررت بأحد فروعه وافيت ازدحامًا فآثرت التأجيل. وفي ثاني أيام عيد الأضحى رأيت فرعًا خاليًا فقصدته. أخذت قهوة مع "دونات ريري" وصعدت إلى دوره الثاني وابتدأت أعمل.
انغمست أحرر ورقًا لنص أنهيته، فإذ برجل يقف ملقيًا التحية برفق. رددت التحية فقال وهو واقف: "سؤالي غريب شوي، لكن هل أنت كاتب؟" لا أعلم لِم أجبته: "تقريبًا"، فسحب كرسيًّا أمامي وجلس وهو يقول: "معنى ذلك أنك كاتب".
مسح وجهه المهزوم وتأوه ثم قال بصوت ضعيف: "صار لي موقف غريب، فرفعت رأسي وقلت بنفسي: آه يا رب لو كنت شاعر أو كاتب! ثم انتبهت فوجدتك منهمك بأوراقك وأنا والله ما شفتك يوم دخلت. كل اللي أبي منك إني أحكي لك الموقف ولو حبيت تكتبه براحتك".
كنت مشدوهًا تثب أفكار بعقلي فلا أدري أيهما أنجع؛ أكثر الظن أن سطوة الكتابة غلبت فأجبته: "أبشر!" لم أكد أنطقها حتى انطلق متحدثًا يغالب دمعه. أُقر أني أسفت لقبولي لما بكى فخفضت رأسي. مرت ساعة والرجل لا يقطع حروفَه سوى دمعه. انتهى ثم مد يده إلى منديل على طاولتي فالتقطه وغادرني يمسح وجهه بعدما قال: "مع السلامة".
إلى رَجل "ريري" العجيب، أُهدي هذا النص:
تاريخُ ميلادٍ مُميَّزٌ للبيْع!
في الدور الثاني للمقهى أمسكتُ بقلمي أعبث على الفاتورة قليلًا كعادتي. أَسرني شيءٌ ما فيها فصرتُ أقرؤها بتَروٍّ؛ تاريخها يُوافق تاريخ ميلادي الهجري، ١٢/١٢! اليومَ أتممتُ الأربعين! قلتُ لنفسي مُصطنِعًا ابتسامةً: "سنة حلوة يا جميل!"
أردتُ البدء بعملي لكني مُنعت؛ نُكِئ جرحٌ ما فَمَلَأ دَمُهُ شِعابَ قلبي. لم أعبأ بأعياد ميلادي في ماضي سِنيِّي، لأنني ابن قومٍ يُحرِّمونها، فما بالي اليوم! لِمَ حلَّ عليَّ الخبرُ ثقيلًا حزينًا؟ أمَّا الثقل فأمرٌ أستطيع مجابهته، والفضل لأيامي الثقال! لكني أكره الحزن لسوء سِيرته بروحي. ما الحل؟ لعلي أبحث عنه بالتاريخ الميلادي، فأنا هنا في أواخر الثلاثين. أو بالتاريخ الأثيوبي، فأكون بأول العشرين! وهبْ أني فعلتُ، أتُرى حزني يَخفت؟ ثم أليس الخوف أصلح لمثل هذا؟ الخوف من الكبَر، أو الموت مثلًا!
وفي غمرة تأملاتي حدَّثتُ نفسي: "أنعِم وأكرِم بعيد ميلاد يَحتار فيه صاحبُه بين الحزن والخوف!"
أنا تائه، وهذا سِن الرشد! حسنًا، دعني أُقسِّمها، عَلِّي أهتدي:
أول عشر سنوات: سُيِّرتُ في جُلِّها واختير لي ما بقي. ليس لي حُكم ولا رأي في نَسبي ولا جسدي ولا حتى اسمي. وحين رأيتُ انعكاسَ ذاتي، وجدتُني رقمًا زائدًا منسيًّا وسط عائلة ممتدة. ولا تكاد تتلقاني مرآةٌ حتى ترميني في أصغر أطرافها. كنتُ زائدًا، وإن شئت قلت زائرًا، في البيت والشارع والمدرسة. أسيرُ على أطراف الحياة كيلا يُحَس بحمولتي فأُرمَى. والزيادة، جريرة الوزن التي بُلي بها، إن لم تقتُله أبقَته منبوذًا. أردتُ أشياء كُثر، وافتقدتُ أشياء أكثر. خرجتُ من العشر الأولى والحرمان حصيلتي العظمى. "أريد الطفولة التي لم أحظَ بها"، عبارةٌ قرأتُها يومًا وتذكَّرتُها الآن.
وثاني عشر سنوات: نما فيها جسدي واشتعلَت رغباتُه. عُلِّمتُ أن ذاتي -المدمَّرة- عدوٌّ لي، فكرهتُها. وغرائزي -الطبيعية- لعنةٌ قاتلةٌ، فدافعتُها. رُسم أقراني رجالًا كاملين؛ لا سفهَ يعتريهم ولا شهوةَ تأتيهم. وقفتُ حائرًا بين جسدٍ غضٍّ يتطلَّب، وأنموذجٍ كامل يُعرَض. ولأني كنتُ زائدًا في أعينهم، ناقصًا في عيني، اتهمتُ نفسي. أقفز من صورة لأُخرى، وأتخفف مني كلَّ مرة، عساي أُرى وأُقبَل. لا أكاد أستقر خلف إطار حتى يعبثوا بأطرافه فيَضيق عليَّ. "عيب"، "حرام"، "لا ينبغي"، "اخشوشِن"،…، ونظائرها بالمئات، كلماتٌ لزجة تقذفها أهواؤهم المضطربة لكنها تَبلغني حادةً كالسيف. وهكذا انسحبتُ من العشرة الثانية ودائي الأكبرُ: الكتمان. سمعت رجلاً يقول: "أفصِح، فإن كتمانك قاتلُك". وما يُدريك؟ لعلَّه فَعل!
وعقد السنوات الثالث: رُميَتْ بعضُ حُرِّيتي أمامي وسألوني أَخْذَها؛ فُجِعتُ! فأنا ربيبُ العبودية وصنيعة التقليد، أنتفض كلما مسستُها، فيهرع عقلي -القاصر الخائف- ليختار. خلف كل "نعم" أخلقُها تُباد "لا" أجهلُها، ثم أُلام على الفِعليْن. تخبطتُ في سَيري فلا يُدرى أذاهبٌ أنا أَم راجع. أرى أمامي دروبًا عليها دُعاة ولكلِّ داعٍ براهين، ولا مُحَاسَبَ سواي. وكلما توهمتُ أني سكنتُ، عصفَت بي حريةٌ حادثة أشدُّ وطأً وأعظم أثرًا. فمِن جامعة أو جامعات إلى وظيفة أو وظائف، ومن استقرار إلى سفرٍ وأسفار، ومن وحدة -مُفرطة- إلى باءة علنية. انتهت العشرة الثالثة وسمتُها الأبرز "التوهان". أحسستُ بحال بطل رواية "الحمَامة" حين وُصف بأنه "يَجر بؤس حياته وراءه بطريقة فاضحة"!
والعشرة الأخيرة: سنوات الحساب الأولى! استُفتحت بنفرةِ حشودي الناقمةِ عليَّ تدَّعي حقوقًا أجهلُها! هجم قلبي غاضبًا يشكو نبذي إياه وإنكاري صلتي به، أكثرَ من الكرِّ والفرِّ فكانت آلامي لا تنقطع، لكني صبرتُ وتجاهلتُه كأنه لم يُخلَق! ثم نصره جسدي بعد حين؛ تساقط بَعضي وعجز البعضُ الآخَرُ عن الحمل. تزعزع صبري فطلبتُ العون من الأطباء؛ أحالني الأولُّ للثاني وبَدَّلَ الرابعُ علاجَ الثالثِ، فلمْ أنتصر ولَمْ أُقتَل. وفي ذروة حُروبي الداخليَّة فاجأتني غزواتُ الخارج؛ اتهموني بخَرْق المواثيق وإخلاف الوعود ونكران الجميل. صرخ الأول: "نحن الأولى بك فنحن ماضِيك وأصلُك"، قاطعه الثاني: "بل نحن أقرب، حاضرك ومستقبلك"، هزأ الثالث بهم قائلًا: "أنا المَورد الذي جمعكم، وإن شاء فرَّقكم، أنا ماله، دواء ماضيه وعافية حاضره، وجَمال مستقبله". أيقنتُ بهلاكي حين أبصرتُ كلَّ فِرقة تحفر لي قبرًا. ظننت أن قُرب موتي ربما يُحييني! انتفضتُ أُريد تحجيم الأول وإبعاد الثاني وإحكام الثالث، لكنها تآمرت مع دواخلي وسطت على عافيتي. طعنتني بنهاية العشرة الأخيرة وهي تسخر قائلة: "يا عاجز، إنما العاجزُ مَن لا يَستبِدّ"!
أنزل النادلُ فنجان القهوة قائلًا:
– أي خدمة ثانية؟
تمهلتُ قليلًا ثُم أَجبتُه:
– أبغى كيكة عيد ميلاد.
نظر مُتعجِّبًا، ثم مضَى.
كتبتُ على ظَهر الفاتورة: "١٢/١٢ تاريخ ميلاد مميَّز، ليس لأحد، مَن يشتري؟"





